السيد حيدر الآملي

558

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

قال رسول اللَّه ( ص ) : إن اللَّه تعالى جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة ، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّا بها غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم ، ومن استمع لفضيلة من فضائله غفر اللَّه له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع ، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر اللَّه له الذنوب التي التبسها بالنظر ، ثم قال النظر إلى علي بن أبي طالب عبادة ، ولا يقبل اللَّه إيمان عبد إلا بولايته والبراءة من أعدائه . وهذا على سبيل الإجمال فيه وفيهم ( ع ) . وأما على سبيل التفصيل فقد ذكر الشيخ الأعظم جمال الدين بن المطهّر قدّس اللَّه روحه العزيز في كتاب السلطان الموسوم بكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ، فصلا جامعا مشتملا على فضل كل واحد واحد منهم وهو مناسب بهذا المقام نذكره ونختم عليه هذا البحث وهذه المقدمة بأسرها ، وهو هذا : ( مذهب الشيعة مأخوذ عن الأئمة المعصومين ( ع ) ) اعلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين المشهورين بالفضل والعلم والزهد والورع ، والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن ، والمداومة على ذلك ، من الطفولة إلى آخر العمر الذين وردت فيهم آية الطهارة ، والعصمة ، وآية الابتهال ، وآية الإمارة للمسلمين ، وآية إيجاب المودة لهم ( 174 ) .

--> ( 174 ) قوله : ورد فيهم آية الطهارة والعصمة وآية الابتهال ، وآية إيجاب المودّة لهم . أقول : وأمّا آية الطَّهارة في سورة الأحزاب الكريمة 33 : * ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّه ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * . وأمّا الآية الكريمة العصمة ولعلّ المقصود منها الآية الكريمة 124 من سورة البقرة : * ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّه ُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * . وأمّا الآية الكريمة الابتهال : في سورة آل عمران 61 : * ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيه ِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّه ِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) * . وأمّا الآية الامارة للمسلمين : في سورة النّساء 59 : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه ُ إِلَى اللَّه ِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) * . وأمّا الآية إيجاب المودة لهم وهي في سورة الشورى 23 : * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه ِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * الآية . أقول : دلالة الآية : قال لا ينال عهدي الظالمين ، على العصمة في الإمام ظاهر ، لأنّ الظلم صادق على المعصية وارتكاب المحرّم ولو كان صغيرا وبما أنّ العاصي ظالم لنفسه ، لقوله تعالى : * ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ُ ) * [ سورة البقرة ، الآية : 231 ] . * ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه ِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ُ ) * [ سورة الطلاق ، الآية : 1 ] . وتدلّ أيضا بأنّ الإمامة العهدية المجعولة من قبل اللَّه تعالى لا توجد في غير ذرّيّة إبراهيم ( ع ) ، لأنّ اللَّه تعالى ينفي الإمامة عن الظالمين من الذريّة ، كأنّه يقول : إن الإمامة توجد ، وتجعل فيهم فقط وهم الَّذين ينالون بهذا المقام الشريف اختصاصا ولكن للمعصومين منهم لا الظَّالمين منهم ، فعلى هذا لا يوجد المعصوم في غيرهم أيضا فلا يوجد الإمام العهدي في غير الذريّة . وأعني من الإمام العهدي الَّذي يكون واسطة بينه وبين خلقه في بيان شرعه وأحكامه تعالى ، وهذا هو الَّذي يشترط فيه العصمة حتّى عن النسيان والسهو مثل النبيّ ( ص ) لأن الملاك واحد ، لأنّه لولا العصمة ولو لم يكن الإمام معصوما لن يحصل الاعتماد بقوله بأنه قول اللَّه تبارك وتعالى ، وهذا بيّن وضروريّ بالعقل والوجدان ، وهذا هو مراد النبيّ ( ص ) في حق السبطين الحسن والحسين ( ع ) في قوله : إن الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا . ونذكر هاهنا أحاديث فيها بيان لحقائق كثيرة في فضل الإمامة وحقيقتها ومعارف عميقة أخرى تطلب التأمل والتعمّق جدا وبيانا وتوضيحا تفصيلا ولكن ليس هنا موضعه ولا تغفل فانظر فيها نظرة مع البصيرة حتى ينكشف لك عناية من اللَّه سبحانه وتعالى ونورا إلهيا وولاية ربّانيّة إن شاء اللَّه ، وأمّا الأحاديث : ( أ ) روى محمد بن يعقوب الكليني في أصول الكافي ج 1 ، ص 175 ، الحديث 2 بإسناده عن زيد الشحام قال : سمعت أبا عبد اللَّه ( ع ) يقول : إنّ اللَّه تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتّخذه نبيّا ، وإنّ اللَّه اتّخذه نبيّا قبل أن يتّخذه رسولا ، وإنّ اللَّه اتّخذه رسولا قبل أن يتّخذه خليلا ، وإنّ اللَّه اتّخذه خليلا قبل أن يجعله إماما ، فلمّا جمع له الأشياء قال : إنّي جاعلك للنّاس إماما ، قال : فمن عظمها في عين إبراهيم قال : ومن ذرّيّتي ، قال : لا ينال عهدي الظالمين . قال : لا يكون السفيه إمام التقيّ . ( ب ) الشيخ الطوسي في الأمالي ص 388 بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : أنا دعوة أبي إبراهيم ، قلنا : يا رسول اللَّه وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟ قال : أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى إبراهيم : إنّي جاعلك للنّاس إماما ، فاستخف إبراهيم الفرح فقال : يا ربّ ومن ذريّتي أئمة مثلي ؟ فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه : يا إبراهيم إنّي لا أعطيك عهدا لا أفي لك به ، قال : يا ربّ ما العهد الَّذي لا تفي له به ؟ قال : لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك ، قال : يا ربّ ومن الظالم من ولدي الَّذي لا ينال عهدك ؟ قال : من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا ، ولا يصح أن يكون إماما ، قال إبراهيم : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ، ربّ إنّهن أضللن كثيرا من الناس ، قال النبيّ ( ص ) فانتهت الدعوة إليّ وإلى أخي عليّ لم يسجد أحد منّا لصنم قط ، فاتّخذني اللَّه نبيا وعليّا وصيّا . ( ج ) الكليني ( رض ) في أصول الكافي ج 1 ، ص 198 ، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته الحديث الأوّل بإسناده عن عبد العزيز بن مسلم ، وأيضا الصدوق ( رض ) في عيون أخبار الرضا ( ع ) ج 1 ، ص 216 ، باب 20 ، باب ما جاء عن الرضا ( ع ) في وصف الإمامة والإمام وذكر فضل الإمام ورتبته ، الحديث الأوّل بإسناده عن عبد العزيز بن مسلم قال : كنّا في أيّام علي بن موسى الرّضا ( ع ) بمرو ، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعة في بدء مقدمنا فإذا رأي الناس ( فأداروا ) أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيّدي ومولاي الرضا ( ع ) ، فأعلمته ما خاض الناس فيه ، فتبسّم ( ع ) ، ثمّ قال : يا عبد العزيز ! جهل القوم وخدعوا عن أديانهم ، إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه ( ص ) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء ، بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه كملا ، فقال عزّ وجلّ : * ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) * [ سورة الأنعام ، الآية : 38 ] . وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره ( ص ) : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * [ سورة المائدة ، الآية : 3 ] . وأمر الإمامة من تمام الدّين ، ولم يمض ( ص ) حتّى بين لأمته معالم دينهم ، وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد الحق ( على قصد سبيل الحق ) ، وأقام لهم عليّا ( ع ) علما وإماما ، وما ترك شيئا تحتاج إليه الأمّة إلَّا بيّنه ، فمن زعم أن اللَّه عزّ وجلّ لم يكمل دينه ، فقد ردّ كتاب اللَّه عزّ وجلّ ، ومن ردّ كتاب اللَّه تعالى فهو كافر ( به ) . هل يعرفون قدر الإمامة ومحلَّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم ؟ . إنّ الإمامة أجل قدرا ، وأعظم شأنا ، وأعلى مكانا ، وأمنع جانبا ، وأبعد غورا ، من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم . إنّ الإمامة خصّ اللَّه ( عزّ وجلّ ) بها إبراهيم الخليل ( ع ) بعد النبوّة والخلَّة ، مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها ، وأشاد بها ذكره ، فقال : « إني جاعلك للنّاس إماما » فقال الخليل سرورا بها : « ومن ذرّيتي » قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * [ سورة البقرة ، الآية : 124 ] . فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة ، وصارت في الصفوة . ثم أكرمه اللَّه عزّ وجل بأن جعلها في ذريّته أهل الصفوة والطهارة ، فقال عزّ وجلّ : * ( وَوَهَبْنا لَه ُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ) * [ سورة الأنبياء : 72 - 73 ] . فلم تزل في ذريّته يرثها بعض عن بعض ، قرنا فقرنا حتّى ورّثها ( اللَّه تعالى ) النبيّ ( ص ) فقال اللَّه عزّ وجلّ : * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه ُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّه ُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) * [ سورة آل عمران ، الآية : 68 ] . فكانت له خاصّة فقلَّدها ( ص ) عليّا ( ع ) بأمر اللَّه عزّ وجلّ على رسم ما فرضها اللَّه عزّ وجلّ ، فصارت في ذريّته الأصفياء الَّذين آتاهم اللَّه العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ : * ( وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّه ِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ ) * [ سورة الروم ، الآية : 56 ] . فهي في ولد عليّ ( ع ) خاصّة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبيّ بعد محمّد ( ص ) فمن أين يختار هؤلاء الجهّال ؟ إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء ، وارث الأوصياء ، إنّ الإمامة خلافة اللَّه وخلافة الرسول ( ص ) ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين ( ع ) . إنّ الإمامة زمام الدّين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين . إنّ الإمامة أسّ الإسلام النّامي وفرعه السامي ، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف . الإمام يحلّ حلال اللَّه ، ويحرّم حرام اللَّه ، ويقيم حدود اللَّه ، ويذب عن دين اللَّه ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحجة البالغة . الإمام كالشمس الطالعة للعالم ( المجلَّلة بنورها للعالم ) وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار . الإمام البدر المنير ، والسراج الزّاهر ، والنور الساطع ، والنجم الهادي ، في غياهب الدجى ، والبيد القفار ( وأجواز البلدان والقفار ) ، ولجج البحار . الإمام الماء العذب على الظماء ، والدالّ على الهدى والمنجي من الردى . الإمام النار على اليفاع ، الحارّ لمن اصطلى به ، والدليل في المهالك ، من فارقه فهالك . الإمام السحاب الماطر ، والغيث الهاطل ، والشمس المضيئة ، ( والسماء الظليلة ) ، والأرض البسيطة ، والعين الغزيرة ، والغدير والروضة . الإمام الأمين ( الأنيس ) الرفيق ، والوالد الشفيق ، والأخ الشقيق ، ( والأمّ البرّة بالولد الصغير ) ، ومفزع العباد في الداهية ( النّاد ) . الإمام أمين اللَّه في خلقه ، وحجّته على عباده ، وخليفته في بلاده ، الداعي إلى اللَّه ، والذاب عن حرم اللَّه . الإمام المطهر من الذنوب ، المبرّأ من العيوب ، مخصوص بالعلم ، مرسوم بالحلم ، نظام الدين ، وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين . الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ، ولا له مثل ، ولا له نظير ، مخصوص بالفعل ( بالفضل ) كلَّه من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهّاب . فمن ذا الَّذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره ؟ هيهات هيهات ضلَّت العقول ، وتاهت الحلوم ، وحارت الألباب ، وحسرت ( خسئت ) العيون ، وتصاغرت العظماء ، وتحيّرت الحكماء ، وحصرت الخطباء ، وجهلت الألبّاء ، وكلَّت الشعراء ، وعجزت الأدباء ، وعييت البلغاء ، عن وصف شأن من شأنه ، أو فضيلة من فضائله ، فأقرّت بالعجز والتقصير ، وكيف يوصف له ( بكلَّه ) أو ينعت بكنهه ، أو يفهم شيء من أمره ، أو يوجد من يقام مقامه ويغني غناه ، لا ، كيف وأنّى ؟ وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ، ووصف الواصفين ، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟ أظنّوا أن يوجد ذلك « أتظنّون أنّ ذلك يوجد » في غير آل الرّسول ( ص ) ؟ كذبتهم واللَّه أنفسهم ، ومنتهم الباطل « الأباطيل » ، فارتقوا مرتقا صعبا دحضا ، تزلّ عنه إلى الحضيض أقدامهم ، راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة وآراء مضلَّة ، فلم يزدادوا منه إلَّا بعدا ، * ( قاتَلَهُمُ اللَّه ُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * [ سورة التوبة ، الآية : 30 ] . ( و ) لقد راموا صعبا ، وقالوا إفكا و ، * ( ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً ) * [ سورة النساء ، الآية : 167 ] . ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، * ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) * [ سورة العنكبوت ، الآية : 38 ] . ورغبوا عن اختيار اللَّه واختيار رسوله إلى اختيارهم ، والقرآن يناديهم : * ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّه ِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * [ سورة القصص ، الآية : 68 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّه ُ وَرَسُولُه ُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) * [ سورة الأحزاب ، الآية : 36 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيه ِ تَدْرُسُونَ . إِنَّ لَكُمْ فِيه ِ لَما تَخَيَّرُونَ . أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ . سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ . أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ) * [ سورة القلم ، الآية : 36 - 41 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) * [ سورة محمد ( ص ) ، الآية : 24 ] ، أم * ( طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) * [ سورة التوبة ، الآية : 87 ] ، أم * ( قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّه ِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّه ُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) * [ سورة الأنفال ، الآية : 21 - 23 ] ، * ( قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا ) * [ سورة البقرة ، الآية : 93 ] ، بل هو * ( فَضْلُ اللَّه ِ يُؤْتِيه ِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّه ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * [ سورة الحديد ، الآية : 21 ] . فكيف لهم باختيار الإمام ؟ والإمام عالم لا يجهل ، ( و ) راع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول ( ص ) ، وهو نسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب ، فالنسب ( فالبيت ) ( في البيت ) من قريش والذروة من هاشم ، والعترة من آل الرسول ، والرضا من اللَّه عزّ وجلّ ، شرف الأشراف ، والفرع من عبد مناف ، نامى العلم ، كامل الحلم ، مضطلع بالإمامة ، عالم بالسياسة ، مفروض الطاعة ، قائم بأمر اللَّه عزّ وجلّ ، ناصح لعباد اللَّه ، إن الأنبياء والأئمة صلوات اللَّه عليهم يوفقهم اللَّه ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم ( الزمان ) في قوله تعالى : * ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * [ سورة يونس ، الآية : 35 ] . وقوله عزّ وجلّ : * ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * [ سورة البقرة ، الآية : 269 ] . وقوله عزّ وجلّ في طالوت : * ( إِنَّ اللَّه َ اصْطَفاه ُ عَلَيْكُمْ وَزادَه ُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّه ُ يُؤْتِي مُلْكَه ُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّه ُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) * [ سورة البقرة ، الآية : 247 ] . وقال عز وجلّ لنبيه ( ص ) : * ( وَكانَ فَضْلُ اللَّه ِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) * [ سورة النساء ، الآية : 113 ] . وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته ( بيت نبيّه ) وعترته وذريته : * ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّه ُ مِنْ فَضْلِه ِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِه ِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْه ُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) * [ سورة النساء ، الآية : 54 - 55 ] . وإن العبد إذا اختاره اللَّه عزّ وجلّ لأمور عباده شرح اللَّه صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاما ، فلم يعي بعده بجواب ، ولا يحيد ( يحير ) فيه عن الصواب ، وهو معصوم مؤيد موفّق مسدّد ، قد أمن الخطايا والزلل والعثار ، يخصّه اللَّه بذلك ليكون حجّته على عباده ، وشاهده على خلقه ، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم . فهل يقدرون على مثل هذا ؟ فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه « فيقدمونه » ؟ تعدّوا ، وبيت اللَّه ، الحق ونبذوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، وفي كتاب اللَّه الهدى والشفاء ، فنبذوه واتبعوا أهواءهم ، فذمّهم اللَّه ومقّتهم وأتعسهم فقال عزّ وجلّ : * ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواه ُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * [ سورة القصص ، الآية : 50 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) * [ سورة محمّد ( ص ) ، الآية : 8 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه ِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّه ُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) * [ سورة المؤمن ، الآية : 35 ] .